المجاعة

  رسالة مفتوحة الى السيد جاكوس ضيوف، المدير العام لمنظمة الاغذية
والزراعة التابعة للامم المتحدة ( الفاو)

  عزيزي السيد ضيوف

نحن المؤسسات والحركات والافراد الموقعين ادناه العاملين في حقل الزراعة والمهتمين بالقضايا الزراعية نرغب بالتعبير عن غضبنا ورفضنا لتقرير الفاو الصادر يوم الاثنين -17/5/2004 - ، بعنوان ( التنوع التكنولوجي الزراعي : هل يلبي احتياجات الفقراء ؟) . لقد استُخدم هذا التقرير في نطاق نشاط للعلاقات العامة موجه سياسياً لغرض الترويج لصناعة التنوع التكنولوجي . انه يروج للهندسة الجينية للبذور ويدعو الى توجيه التمويل نحو المزيد من الابحاث في هذا المجال على حساب الابتعاد عن الطرق والوسائل الاكثر فائدة للبيئة التي يطورها المزارعون انفسهم . والطريقة التي تم بموجبها اعداد التقرير والاعلان عنه للصحافة، مع الاسف ، تثير اسئلة خطيرة حول درجة الاستقلالية والتكاملية الفكرية لمؤسسة مهمة كالأمم المتحدة . فالتقرير يبعد منظمة الفاو عن مبدأ السيادة الغذائية والاحتياجات الحقيقية لمزارعي العالم ، ويشكل طعنة في ظهر المزارعين والفقراء الذين اصلاً أُسست من اجلهم منظمة الفاو .

اننا مصابون بخيبة امل كبيرة من انتهاك منظمة الفاو لالتزاماتها ( ومن التزامكم الشخصي ) بالتشاور والحفاظ على مستوى من الحوار المفتوح مع منظمات المزارعين الشريكة الصغيرة والمجتمع المدني . وان الفشل في التشاور مع مثل هذه المنظمات اثناء اعداد هذا التقرير يعني ان الفاو ادارت ظهرها لاؤلئك الناس الذين هم الاكثر تضرراً من التكنولوجيا التي يروج لها هذا التقرير .

فبدلاً من ان يوصي هذا التقرير الى تقوية دور المزارعين الصغار في ادارة التنوع الحيوي الزراعي وتحسين المحاصيل الضرورية لحياتهم ، كما اوصت بذلك بعض نتائج الابحاث الميدانية التي اجرتها الفاو نفسها ، فان هذا التقرير يقترح حلولاً تكنولوجية لمحاصيل حيوية للامن الغذائي للناس المهمشين والفقراء عن طريق تطويرها بالوسائل التكنولوجية لنقل الجينات .

المجاعة في العالم تنمو من جديد بالرغم من ان الانتاج العالمي من الغذاء للفرد الواحد قد ارتفع الى حد لم يسبق له مثيل . وقضايا الحصول على الغذاء وتوزيعه اهم بكثير من التكنولوجيا. والدرس الاهم الذي تعلمناه من الثورة الخضراء هو ان التقدم التكنولوجي في جينات المحاصيل الخاصة بالبذور التي تتأثر بالتدخلات الخارجية يؤدي الى تزايد الاستقطاب الاجتماعي الاقتصادي وارتفاع نسبة الفقر والحرمان في الريف والمدن بالاضافة الى زيادة درجة عدم الاستقرار الغذائي . ومأساة الثورة الخضراء تكمن بالضبط في نظرتها التكنولوجية الضيقة التي تجاهلت المسببات الاجتماعية والهيكلية الاكثر اهمية للمجاعة وعززت التكنولوجيا نفس الهياكل المسببة للمجاعة . وان " ثورة جينات " جديدة ستؤدي فقط الى تكرار الاخطاء السيئة للثورة الخضراء .

  ألم تتعلم الفاو شيئاً ؟

يثبت التاريخ ان التغييرات البنائية او الهيكلية لعملية الحصول على الارض والغذاء والقوة السياسية – مدعومة بتكنولوجيا بيئية وصحية تمر من خلال البحث الذي يقوده المزارع نفسه– هي التي تقلل من المجاعة والفقر . " الثورة الجينية " تعدنا بأن تأخذنا في الاتجاه المعاكس. انها تعتمد على صناعة نخبوية باهظة الكلفة ، تهيمن عليها وسائل بحثية تستخدم تكنولوجيا احتكارية . ونفس هذه المصادر ، اذا ما وُجهت نحو شبكة ابحاث بالمشاركة يقودها المزارعون انفسهم ستؤدي الى انتاج تكنولوجيات اكثر انتاجية وبيئية ومساواتية .

بالرغم من ان التقرير الذي يتجاوز عدد صفحاته المئتين يحاول ان يبدو محايداً في شكله ، الا انه متحيز الى درجة كبيرة ، ويتجاهل الدلائل المتوفرة للآثار البيئية والاقتصادية والصحية ذات العلاقة للمحاصيل المهندسة وراثياً . على سبيل المثال ، يشير التقرير الى ان المحاصيل المطورة جينياً اثمرت نتائج اقتصادية جمة للمزارعين وساعدت في تقليل استخدام المبيدات . وهذا التأكيد مبني على معلومات ميدانية لدراسات مختارة بعناية تتعلق بقطن بي تي . BT اما الابحاث التي تناقض ذلك فقد تم تجاهلها . والمعلومات المستخدمة من الهند فهي معتمدة بشكل خاص على تجارب ميدانية اجرتها شركة مونسانتو عام 2001 . ويتجاهل التقرير المعلومات الناتجة عن زيارات الى حقول المزارعين قامت بها وكالات حكومية متنوعة وباحثين مستقلين خلال موسم عام 2002 ( في نفس السنة التي تم فيها الاعلان عن قطن الـ بي تي BT ) . وتُظهر هذه الزيارات فشل قطن الـ بي تي . واستُخدمت دراسات محددة كانت نتائجها ناقصة على قطن الـ بي تي في المكسيك والارجنتين وجنوب افريقيا وذلك بهدف تطوير اصناف القطن عن طريق نقل الجينات . واشار التقرير لدراسة اخرى ادعت تحقيق فوائد لمزارعي القطن في بوركينو فاسو ومالي تضمنت اشارة لا اساس لها من الصحة من ان جنوب افريقيا – التي تخضع لضغوطات اقتصادية غير مبررة – ستخسر ملايين الدولارات اذا لم تستخدم قطن الـ بي تي. ومع ان تقرير الفاو يشير الى سيطرة الشركات على الهندسة الجينية ، الا انه يتجاهل القول بان شركة واحدة فقط هي مونسانتو تمتلك تكنولوجيا بذرة الـ GM التي تُبذر على اكثر من 90 % من مساحة العالم التي تستخدِم تكنولوجيا نقل الجينات . وهناك خمس شركات تصنع 100 % من البذور المطورة جينياً التي يزود بها السوق العالمي. وهذا يمثل اعتماداً غير مسبوق من جانب المزارعين على السوق الزراعي العالمي الذي من المفترض ان تنظر اليه الفاو بعين الريبة ويجب ان تعمل على ايجاد بدائل له . ومجرد القول بان المزيد من التمويل العام قد وظف له لا يعتبر حلاً بحد ذاته . والمزيد من الاستثمار في هذه التكنولوجيا – كما توصي الفاو – سيزيد حتماً من مستوى احتكار الشركات وسيطرتها على مصادر الغذاء العالمي . وستُجبر الدول الفقيرة على قبول قوانين احتكارية ، وقبول عقود وانظمة ستضُعف من قدرتها الداخلية على محاربة المجاعة . وبعد اربعة ايام من نشر تقريرك ، اتخذت المحكمة العليا في كندا موقفاً مخجلاً بالوقوف مع شركة مونسانتو ضد مؤسسة مزارعي كندا ( بيرسي ولويس شمايزر ) التي دافعت ببساطة عن حقها في تلويث مزارعها بواسطة الحبوب المحتَكرة المقدَمة من شركة مونسانتو . وفي عدد من الدول ادى التلوث الى حالات تم خلالها تهديد المزارعين او مقاضاتهم لان اللقاح المُهنَدس وراثياً ينمو في حقولهم.

وكلما ارتفع عدد المزارعين المعتمدين على تكنولوجيا التنوع الزراعي ، كلما قلت امامهم الخيارات لتطوير زراعاتهم الذاتية وانظمة معيشتهم . ومن غير المقبول ان توافق الفاو على الحاجة الى استخدام المنتوج الفكري للشركات. فهذه الموافقة ترتقي الى حد تأييد الفاو للقرصنة المتنوعة للشركات لان المصادر الجينية التي تسعى الشركات لاحتكارها ناتجة عن تراكم جهد المزارعين في الزراعة لآلاف السنوات .

التلوث الجيني يلوث قلب المراكز العالمية للتنوع المحاصيلي . ومع ذلك تتجاهل الفاو هذه المأساة باي تعليق . وهذا بحد ذاته يشكل اعتداءاً على الحضارات التي اوجدت الزراعة ، على حياتها ، على المحاصيل التي اوجدتها ، على طبيعتها ، على غذائها . ومنذ عقود تقود الفاو جدلاً دولياً حول كيفية التعامل مع قضية التدهور الجيني . ومع قدوم الهندسة الجينية ارتفع خطر هذا التدهور . وبما انها مؤسسة دولية حكومية للمصادر الجينية ، فان على مؤسسة الفاو ان تطور سياسات لمنع التدهور الجيني وتتخذ اجراءات لمعالجة التعقيدات الكونية السلبية .

لقد صُعقنا عندما وجدنا انه لمنع التلوث الجيني فان التقرير يدعم الخيار العبثي باستخدام " التكنولوجيا المنتهية " ، اي التكنولوجيا التي تمنع المزارعين من توفير كميات من البذور بعد الحصاد واعادة استخدامها من جديد في البذار. وادانت جمعيات المزارعين ومؤسسات المجتمع المدني ، والعديد من الدول والمؤسسات العلمية هذه التكنولوجيا . وكمدير للفاو ، فقد قلت في عام 2000 ان الفاو ضد تعقيم البذور الجينية . والمثير للدهشة ان تقريرك يدعم التكنولوجيا التي ستضر بطعام اكثر من 1.4 بليون انسان يعتمدون على البذور المنتجة محلياً من مزارعهم في جميع انحاء العالم .

فهذه التحيزات والخروفات والنتائج الضعيفة تجعل من هذا التقرير مجرد تقرير مخزي للعلاقات العامة يروج لصناعة التنوع التكنولوجي وللدول التي تسعى لتصدير هذه التكنولوجيا. انه اهانة للحكومات اعضاء الفاو التي تقاوم التكنولوجيا بشجاعة و الضغوطات الصناعية والسياسية ، والتي تطور بدائل قابلة للحياة ذات تأثير بعيد المدى على مستوى انتاج البذور والغذاء . انه رفض لجهود اؤلئك العلماء وصناع السياسة – وبعضهم من الفاو نفسها– الذين ساهمو في تطوير تكنولوجيا جديدة وانتاجية مستدامة وغيرها من السياسات التي وضعت دور وحقوق المزارعين في المقدمة .

اننا نعتقد ان الفاو قد خرقت التزامها للمجتمع المدني وجمعيات المزارعين للتشاور في القضايا ذات الاهتمام المشترك . لم يكن هناك تشاور مع جمعيات المزارعين ، بل يبدو انه كان هناك تشاور مكثف مع قطاع الصناعة . وبالنسبة لنا نحن مؤسسات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية التي تعتبر الفاو مؤسسة يمكننا الرجوع اليها ومنبراً للنقاش حول هذه القضايا والتحرك الى الامام ، نعتبر ما حصل هو نكسة كبيرة . وسيجتمع المزارعون ومؤسسات المجتمع المدني ويتشاورون فيما بينهم خلال الاشهر القادمة لتحديد ما هي الخطوات التالية التي يجب اتخاذها بشأن الفاو والمضاعفات السلبية لهذا التقرير .

 

باخلاص

الاشخاص والمنظمات الموقعة

Ref: front|fao-open-letter-arabic-2004
   

 

blog comments powered by Disqus